سُلطان بن خلفان اليحيائي
لسنا شعوبًا فقيرة الموارد ولا أممًا بلا تاريخ ولا دولًا بلا مال ولا أنظمة بلا خزائن.
على مدى نصف قرن تراكمت الثروات وارتفعت الأبراج وتعاظمت الأرصدة لكن العقل العربي تقلّص والإرادة ذبلت والوعي استُبدل بالتعبئة الفارغة.
ماذا أنجزنا؟
أشعلنا النعرات الطائفية وشققنا المجتمعات بالتآمر وأوقدنا الفتن المذهبية. نهبنا ثروات الشعوب لا لبناء الإنسان؛ بل لتكديس ترسانات تُوجَّه إلى الداخل ولضمان استمرار مصانع الخارج. هكذا أُهدرت القوّة وتحولت الثروة إلى عبء والسلاح إلى أداة قمع لا سيادة.
وحين حانت ساعة الصفر وتداعى الغرب الظالم وبنو صهيون على غزّة العرين وقفنا مذهولين.
لا لأنَّ العدو باغتنا؛ بل لأنَّ الحقيقة انكشفت. هل كنّا أحياءً فعلًا أم مجرّد أجساد تتحرّك بلا روح؟
ليس الخوف ما يُسقِط الأُمم؛ بل الوَهَن الذي يتسلّل إلى العقول قبل أن تطأ الأقدام ساحات المُواجهة.
ما نسمعه اليوم من أصوات مُرتجفة يُعيد تدوير خطاب الهزيمة ليس نقدًا سياسيًا ولا قراءة واعية للواقع؛ بل ترجمة صريحة لمرض قديم: انهزام نفسي لا يرى إلا بعين العجز ولا يُبصر بعين اليقين.
هؤلاء لا يسألون ليفهموا؛ بل يلمزون ليبرّروا خنوعهم.
يسألوننا: أما زلتم تصدّقون التمثيلية الإيرانية الأمريكية؟ إن لم تكن تمثيلية فلماذا لم تبادر إيران وهي مستهدفة؟ ولماذا لا يصدر ترامب الأمر بالهجوم ما دامت الأساطيل والغواصات وحاملات الطائرات تملأ البحار؟
ردّنا لهم: اصحوا يا موتى السُّبات! الحروب لا تُدار بالصراخ ولا تُكسب بالتهوّر.
من يساند حُماة العرين لا يخرج مكشوف الصدر ليرضي جمهورًا محبطًا وهو يدرك حراب الجيران المُعدّة لطعنه من الخلف. لا بد من اختيار التوقيت وإحسان التموضع والضرب حيث يُوجِع وترك العدو يختنق بخياراته.
بعض المأزومين نفسيًا يقرؤون المشهد من الياء إلى الألف. يبدؤون من الصدمة قبل الحساب ومن النتيجة قبل السبب ومن الخوف قبل التخطيط. يريدون الضربة الآن لأنَّ أعصابهم لا تحتمل الصبر ويطالبون بالحريق الشامل لأنهم لا يعرفون إدارة النار.
أمّا العقلاء فيقرؤون المشهد من الألف إلى الياء. من توازن القوى إلى الاستنزاف إلى توقيت الصدمة إلى قرار الحرب. يعرفون أنّ السياسة ليست انفعالًا وأن الحروب لا تُدار بالأمنيات بل بالعقل الهادئ والنار المؤجَّلة.
لذلك يصرخ المأزوم حين يصمت العاقل ويظن المتخبّط أنّ التريّث ضعف بينما هو أعلى درجات السيطرة.
لكن المشكلة أعمق من السياسة. نحن أمام عقول مخطوفة. لا تُحلّل الواقع بل تُفلتره عبر تعبئة طائفية وموروثات مسمومة قُدّمت على أنها وعي ودين.
عقول شُكِّلت على الشك في كل مقاوم والخوف من كل من يخرج عن الخطوط المرسومة.
يصرخون: إيران شيعيّة! وكأنهم اكتشفوا سرّ الكون!
سلّمنا.
أين كنتم أيّام الشاه؟
أين كانت غيرتكم حين كانت السفارة الصهيونية في قلب طهران؟
ولماذا صمتُّم عندما كانت إيران مرهونة بالكامل للغرب؟
ولماذا ثرتُم حين خرجت من بيت الطاعة؟
هنا ينكشف الخلل. ليست المشكلة في المذهب؛ بل فيمن يملك قراره ومن يرتهنه.
وليست القضية قضية دين؛ بل صراع بين من كسر الهيمنة ومن قبل العيش تحتها.
وهنا يُطرح السؤال الأكبر الذي يتهرّبون منه: يا قوم يا من آمنتم بالله، أمِن الإيمان أن تُسالِموا وتُوالوا نظامًا يُعادي الله ورسولَه ثم تُعادوا وتتبرّؤوا من نظام يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله؟
أمِن العدل أن تتعاونوا على البرّ مع عدو أمتكم ثم تتعاونوا على العدوان على من واجه عدوكم وساند محور المقاومة الإسلامية؟
أي ميزان مقلوب هذا حتى يُصبح الأخ المسلم عدوًا والعدو الكافر حليفًا؟
إنها أسئلة توقظ وعيًا خُطف وتدعو إلى تحكيم العقل وتطهير الفكر من أدران الماضي.
ميزانها الحق لا الهوى والبصيرة لا الاصطفاف الأعمى.
المخطوف ذهنيًا لا يرى ذلك لأن وجهته صُنعت له سلفًا. عدوّك من يقاوم وصديقك من يبتسم في وجه الجلاد.
ونقول للانهزاميين: لا خوفَ على حُماةِ العرين.
الخوف كل الخوف على أمة تُربّي أبناءها على الشك بالمقاوم وتُجمّل في عيونهم صورة الخائن.
الهزيمة هنا لا تكون في الميدان؛ بل في العقول.
من يملك أعصابه ساعة الانفعال يملك مصيره ساعة النزال.
العرين لا تحميه الانفعالات؛ بل العقول التي تعرف متى تُمسك النار ومتى يُحكَم الضغط على الزناد.
ونختم بعطر الختام: عُمان رمانة الميزان ماثلة أمام العالم بسياسة خارجية ثابتة بلا استعراض.
راهنت على العقل حين اندفع غيرها إلى التهوّر فكانت وسيطًا موثوقًا وملاذًا للحوار.
عُمان نموذج في إدارة الملفات الصعبة وفي الموازنة بين القوّة والحكمة بلا ضوضاء بلا تردّد بلا ارتهان.
إنه نهج سياسي راسخ وضع أسسه المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- وأكمله حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله وأبقاه- بثبات الدولة ورجاحة القرار.
إنها السياسة التي لا تُستفَز ولا تُستدرَج ولا تتزعزع مهما تعالت الأصوات لأنها تعرف متى تصمت ومتى تتكلّم ومتى يكون العقل أقوى من اللغط الإعلامي.
